روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

94

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

[ الشروع في الكتاب ] أمّا بعد ، فإن أقصى العلوم ومنتهى المعلوم شوف أسرار التوحيد ، ووضوح أنوار التفريد ، وبصفاء الجلاليّة تلاشت أكدار الخليقة ، وبسناء انكشافه استقرّت الأسرار في أقطار المعرفة ، وللتوحيد بداية ، وليس للتوحيد نهاية لأنّ حقيقة التوحيد صفة الموحّد ، ولا غاية له من جميع الوجوه . أما بداية التوحيد ، فلها مقدمات ، وهي على نوعين : الأوّل هو المقامات ، والثاني هو الحالات . ويندرج تحت المقامات حسن الإنابة والتهاب نيران الحزن بنعت تصفية الصفة ونور الورع وحقيقة الزهد والفقر والقناعة والشكر والتوكّل والرضا والتسليم والصدق والإخلاص والإحسان والعبوديّة والحريّة . ويدخل تحت الحالات والمراقبة والخوف والرجاء والمحبّة والشوق والعشق والقربة وحسن اليقين وذوق الطمأنينة . فهذه المنازل مدارج بدايات التوحيد ، ومن لم يعبر بها لم يشم رائحة التوحيد ، لأنّ المقامات مراكب القلوب تسير بها درجات المكاشفات . والحالات رواحل الأرواح تبلغ بها إلى وطنات المشاهدات . وهذه المقدمة لا تكن إلا بعد أن يستنير عقل الكلّ بلوائح كشف أنوار الحقّ - سبحانه وتعالى - التي سماها الإسلام ، كما قال - عزّ اسمه : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] وهذا النور هو الذي فطر اللّه تعالى العباد عليه بإشارته - سبحانه وتعالى - : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم : 30 ] . وقال - عليه السلام : « كلّ مولود يولد على الفطرة » « 1 » . فإذا أنار العقل بنور الغيب ، وصل نوره نور الروح فاتّحدا ، فصارا نورا واحدا ، فانجلت به عين القلب ، وأبصر بنور العقل أنوار الشواهد ، فتيقن بها وجود المشهود بنعت العلم ، ورأى الروح بنور الغيب الذي كشف العقل بنور الصفات ، فتحققت به

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب ما قيل في أولاد المشركين ، حديث رقم ( 1319 ) [ 1 / 465 ] ورواه مسلم في صحيحه ، باب معنى كل مولود يولد . . ، حديث رقم ( 2658 ) [ 4 / 2047 ] ورواه غيرهما .